الأميرة….وبسطة السلم

 

عندما عدت لأول مرة لزيارة كليتي التي تخرجت منها / أو فيها وجدتهم قد وضعوا لها أبوابا حديدية فقلت لها ( تستاهلي ) لأنك تركتني أذهب إلى العالم الكبير وتبنيتي أبناء آخرين ، ووقفت أتذكر أول يوم دخلت فيه هذه الكلية كان يوما حارا جدا وصاخبا جدا ، ومزدحما جدا وأنا كجمل آبق وسط طريق سريع

لا أدري أين أذهب ولا لمن ، وموضوع أن أسأل الآخرين بدا هو الآخر غير مناسب
فلجأت إلى مكان منزو عن الناس وأخذت في التدخين بشراهتي المعتادة
حتى هنا تكشف لي أن كل الأمور يمكن التغلب عليها بقليل من المولتو والكنز المشفوع بشاي ثقيل المهم حتى لا أطيل فقد عرفت القسم الذي وزعت عليه ، ولحكمة يعلمها الله الذي لم يخذلني مطلقا ذهبت إلى القسم الذي كنت أنوي التسجيل فيه
ما زاد من تعلقي بالمكان وإحساسي أنني لا خيار لي ، وهذا يدفعني دائما للضحك لأنني ما طالبت يوما بإرادة أوماشابه ، لقد كنت دائما أتمنى أن أمشي مغمض العينين في الشارع ، أو أن أستسلم لقدمي فتقوداني إلى جهة تفاجئني كل مرة ،
فلقد عملت طويلا على قتل إرادتي التي طالما أججت الأحقاد ضدي ، إن الإرادة هي ميل طبيعي للشجار مع الآخرين ، وقابلة النزاعات الرحيمة، بالكوارث حديثة الولادة
سأصدقكم القول أن موت إرادتي حقق لي ما لم أكن أتخيل – على الرغم من أنني أبدو من بعيد معتزا بنفسي بحماقة

 

وتكوين رأسي من الخلف صنع لي من الأعداء ما لا يعد على أصابع اليدين والقدمين ـ
فكثيرا ما كان غياب إرادتي دافعا للآخرين لإطلاعي على حيوات جديدة ما كنت لأحلم برؤيتها مطلقا إن سكين الإرادة كثيرا ما مزقت المفاجآت السارة ، وجعلتني أدمن عض أصابعي من الندم

 

” انت يا ابني هتفضل انقيادي كده لحد امتى “

 

فأقول : دعي إرادتي نائمة

 

لأنها لم تكن تعرف أن غياب إرادتي هو السبب في أنني تعرفت إليها ، تركت نقدها يذهب للأذن التي من عجين
وإليكم القصة من بدايتها

 

عندما دخلت السكشن لأول مرة بعد مرور شهر ونصف الشهر على بداية الدراسة ، وكنت متأخرا عن بداية المحاضرة لأكثر من نصف ساعة ، وكان عدد الحضور لا يتجاوز الخمسة عشر

 

كل هذه الاسباب تآمرت على جعلي محط أنظار الجميع، فمنهن من قلبت شفتيها امتعاضا ومنهم من همس في أذن صديقته ، ومنهن من لم تستطع السيطرة على ضحكة مكتومة فخرجت دفعة واحدة ، ومنهم من رمقني بنظرة ال من فوق لتحت ، ومنهن من التفتت إلي هزت رأسها محيية في رقة تعززها ابتسامة للأبد لن أنساها

 

وبعد ساعة انتهى القسم الأول من المحاضرة وخرجنا لبريك نصف ساعة جاءني فيها بعضهم ليعرفني بنفسه ويعرض خدماته فيما فاتني من محاضرات

 

وانتهى اليوم الذي حسبت له ألف حساب بأفضل مما كنت أحلم فقد كان كل زملائي الأربعة والعشرون ينقسمون إلى نوعين من الناس نوع تعرف إلي وقامت بيننا علاقة جيدة وقسم لم يعتبرني موجودا ، فوفر وقتي وجهده

 

وفي إحدى الأيام عزمني اثنان من أصدقائي على الإفطار فلم أرفض نظرا لموت إرادتي كما أسلفت

 

وفي طريقنا إلى المكان الذي سنفطر فيه اكتشفت أنها بصحبتهما وتنتظر في الدور الأرضي لتذهب معنا

 

في الحقيقة لم يكن قد سبق لي الكلام معها رغم أنها أثارت اهتمامي بلا مبلاتها وعدم تكلفها حتى في جلستها

 

لكنني إحقاقا للحق أجبن من ان أذهب لفتاة لأخبرها برأيي فيها أو حتى تحيتها وفي المرات القليلة التي فعلت ذلك مازلت أندم حتى اليوم

 

بعد أن انتهينا من الإفطار بدأنا في التعارف والكلام عن كل الأشياء أو إن شئتم فقولوا الاستجواب الأولي

 

اسمك

 

سنك

 

بلدك

 

أبوك

 

أمك

 

اهتماماتك

 

مرتبط

 

منفصل

 

أخوانك كام واحد

 

صغار

 

كبار

 

وبعد أن أجبت على كل هذه الأسئلة باستفاضة في التفاصيل
ونجحت في المقابلة
بدأ الكلام الجميل

 

بتحب مين من المطربين

 

بتحب الشعر

 

وأنا دائما في إجاباتي أحب ذكر النماذج

 

فاستغليت أنها كانت قد حصلت على الثانوية العامة من إحدى دول الخليج وتوسعت في ذكر المطربين العرب المفضلين لدي لأصنع جسرا بيني وبينها

 

فرغم افتقاري للإرادة فأنا لا أفتقر للمكر

 

فبدأت بناظم الغزالي

 

صباح فخري

 

وخالد الشيخ

 

فؤاد غازي

 

طوني حتشيتي

 

وانتهيت

 

بفيرور وماجدة الرومي

 

وعائلة بندلي ” عدنا جار ليل نهار مشرع غليونه غليونه

 

هوكبير وقلبه كبير وعقلاته نونو يانونو “
ونسينا الكلية والمحاضرات والعالم وانخرطنا في الشعر والفن والشكوى كأننا نعرف بعضنا منذ الأزل

 

انتهى اليوم كما تنتهى كل الأشياء الجميلة مخلفا وراءه موعدا باللقاء في الغد

 

الغد البعيد جداجدا

 

المهم بعد تفكير وسهد وحالة من خيبة الأمل الثقيلة جاء الغد

 

والتقينا على ( بسطة السلم ) في الدور الذي فيه القسم الذي ننتمي إليه

 

وأخذتني إلى البوفيه وعرفتني على الداده ( لكم كرهت هذه الكلمة)، تلك السيدة التي كانت تحبني وتحب من أحبني ولا تناديني إلا باسم الدلع

 

واستمر الحال على هذا المنوال ، لسنوات طوال

 

كلمتني فيها عن كل شئ حياتها قلقها عرفتني على أخيها وأخواتها

 

يالها من فتاة كانت تفهم كل أشيائي كما أريد كان يكفي أن أبتسم من موقف لتكمل هي الباقي

 

لم تتذمر يوما من تصرف تصرفته ولم تلفت نظري إلى قلة ذوقي ولو لمرة واحدة منذ عرفتها

 

ذات يوم كنا جالسين في الأرض على باب القسم كانت تغني ” نسم علينا الهوى ” وكنت أغني ” ع ابوابكن كل يوم برمي بنفسجة صار لي سني ، صارلي سني وصار لك سني تتفرجي “وفجأة جاءتنا فتاة شابة وانهالت عليها توبيخا لأنها كانت تجلس في الأرض وهذا لا يليق في رأيها ببنت محترمة

 

وعندما سألتها عن ماهيتها قالت إنها من الاستاف

 

وظلت ترغي وتزبد وتهدد وتتوعد

 

واكتشفت بعد ذلك عن طريق الداده (خالتي كما أناديها )أنها معيدة في قسم اللغة الروسية

 

وكلما قابلتها في ممر من الممرات بعد ذلك
تحاشت النظر إلى أوذهبت في اتجاه جانبي

 

مع أن الجلوس في الأرض لم يكن بدعة ابتدعناها في كليتنا إلا أننا فوجئنا بسيادة المعيدة تبدأ في التغيير بنا

 

فكان تفسيري الأولي أن المعيدات أصحاب شخصيات تنافسية غيورة لا تقبل إلا أن تكون هي فقط ومن بعدها الطوفان

 

فراق هذا التفسير لها وأصبحت تنعتها ببتاعة الاستاف ( فاكرها ) فأقول نعم أذكرها

 

في يوم من الأيام جاءني أحد أصدقائي من كلية التجارة المقابلة لكليتنا فأخذته هو وهي وصديق رابع وذهبنا لجولة في القاهرة القديمة كنت أنوي شراء بعض الكتب من مكتبة الحلبي في درب الأتراك بالأزهر

 

فتحول ذلك اليوم إلى ذكرى لا تنسى

 

لم تكف هي عن السخرية من صديقي الذي لم يركب مترو في حياته وأراد أن يذهب من ميدان العتبة بالتاكسي إلى مصر الجديدة فأخذتنا ونزلت بنا إلى المترو في العتبة واشترت له تذكرة وقالت له في أي محطة ينزل سيجد السي تي إيه الذي سيوصله إلى البيت إيه العيال الخايبة دي)
كان يوم كلما رأيت صديقي ذكرني به ، لأنه كان يوم الفالنتاين واشتريت من بائع الورد وردة حمراء أهديتها لها كالمعتاد في مثل هذه المناسبة

 

كانت وردة على سبيل المزاح ، لكنها لم تكن مزاحا بالنسبة لي

 

في آخر يوم في امتحان الليسانس

 

جلسنا على أحد الأرصفة تحت أشجار البنسيانا

 

وأخذنا في النظر إلى بعضنا البعض رغم الزحام الشديد من حولنا كنت أحس أنني بمفردي في هذا العالم في مواجه كائن خرافي أراه لأول مرة ، فانتابني خوف شديد من كل كلمة تخرج من فمي

 

هل ستهدم ما بنيناه في سنوات (أقصد الكلمات )التي قلتها

 

أم سترمم عيوب سنوات مضت

 

وكان خوفي الأكبر من خطوة التحول من صديق إلى شئ آخر يعلمه الله

 

فدائما كنت ألمح في عينيها سؤال ( لماذا كل البنات إلا أنا ؟ ) ونفس السؤال كان يدور بداخلي لماذا كل الشبان إلا أنا ؟

 

مع علمي أن التحول من نوع من العلاقة إلى نوع آخر من العلاقات يقتل النوع القديم وربما لا يحيي النوع الجديد

 

لكن هاجسا كان يؤرقني وهو ما عبر عنه صديقي الشاعر / أشرف العناني بقوله ” مات دون أن يعرف أنني أحبه

 

هل أموت أنا الآخر دون أن أعرف أن أحدا ما يحبني ” هذه الكلمات التي حقنتني بهوس أن أفضي لمن أحبهم بحبي

 

وأصمت عن من لا أحبهم

 

وكانت المفاجأة عظيمة عقدت لسانها ، وتركتها في صمت محكم الإغلاق ( أنا ؟) وتنهدت

 

عاتبة على الأرض التى لم تنشق وتبتلعها

 

كان بوسعي أن أخفف من هول هذه الصدمة بأن أخبرها بما في داخلي وأدير لها ظهري وأتركها تفكر على مهل لكنني كنت أضعف من أن أغادر

 

كنت أناشد الوقت في سري أن يتمهل

 

” واقولك بقاش بكير وتقولي اقعدي ، فايق ياهوى ”
وأخيرا تركنا مكاننا وذهبنا إلى محطة المترو صامتين تماما
ومنكسي الرؤس
وركبنا وبعد محطتين نزلت مكتفيا بوداع مقتضب بيدي اليسري دون كلمة واحدة وذهبت إلى شقة صديقي جمعت حاجياتي وتركت رسالة مقتضبة تحمل في طياتها شكرا وعتذارا لأنني كنت قد وعدته أن أببقى ليومين ولم أفعل
وذهبت إلى مدينتي ومكثت ثلاثة أيام تجتاحني مشاعر متباينة من الإرتياح والندم والغضب والرضى
وفي اليوم الثالث اتصلت بي
قائلة : بجد
قلت : نعم
قالت : بس
ودار حديث سطحي لأول مرة بيننا
وبعد شهر اختفت في ظروف غامضة
كل ذلك لم يشفع لي عند الندم كي يتوقف ويترك يدي بلا حنين فزيائي
فدائما أتذكر مقطعا كتبه الشاعر الإنجليزي /أيان هاملتون
” يقول : لو أنني لامستك ساعتئذ لاستطاع أحدنا أن يبقى على قيد الحياة
altwati
Advertisements

6 أفكار على ”الأميرة….وبسطة السلم

  1. الاول من اول لحظة وانا عرفت انك بتتكلم على السن لاني يا سيدي من كلية تجارة اللي قدامكم

    واتضايقت برده اوي من الابواب الحديد دي عشان انا كنت مستقرة جوه

    بعد كده بقى .. عرضك لقصتك اكثر من عبقري .. عارف فكرتني بكلمة كان في واحد اعرفه الله يمسيه بالخير بقى بيقولها

    ومات الكلام

    ساعات كتير تحس ان لما شكل العلاقة بيتنقل من الصداقة للحب بيصر الطرفين على حصر الحوار في بحبك وحشتيني وانتي نور عيني والكلام ده

    اعتقد ان ده قمة العبث .. في اللحظة دي كل مرادفات الحب حتخلص وحتفقد معناها وحيموت الكلام

    تحياتي

  2. لمياء
    أي نعم هي الألسن
    وإضافة من عندي الدور الرابع
    هذا بالنسبة للمكان
    الأبواب الحديدية قتلت جزء من الماضي عندي لكنني لا ابرئ نفسي من إيلام نفسي بنفسي ذلك لأنني كان علي أن أبقي الماضي مجمدا كأحسن ما يكون أن يتوقف الفيلم عند أروع المشاهد حتى ننسج حوله الحكايات
    من الممكن إعادة إنتاج الماضي لكن يجب أولا أن نقطع كل الروابط بيننا وبينه أن ندمرة بشكل ماس ديستراكشن حتى لا نقيس ذكرياتنا على الواقع الذي كلما ابتعد أصبح جميلا داخلنا وقبيحا في ذاته
    ويمكنني أن أعلنها الآن حتى من على فضائية الجزيرة ” أنا لا أريد رؤية حبيتي السابقة لأنها يمكن أن تقتل نفسها داخلي دون أن تدري ” أما تحول العلاقة من صداقة إلى حب فهو إلزام داخلي مني تجاه القريبين مني
    ويوما ما سأقول لكل المحيطين بي كيب ديستانس
    لا تقتربواأكثر فأنا قابل لأن أحب في أي لحظة
    بصدق : أخجل من أن أقول لأحد أنني لا أحبك
    كذلك أحمل دينا في عنقي ما حييت لكل الذين تكبدوا معاناة أن أحبوني

    بالنسبة لانحصار الكلام أو إن شئتي فقولي انحسار الكلام ” أي نقصانه المعيب بين المحبين ” فمرجعه التحفظ من تغير وجهة نظر الآخر فينا من كلمة نقولها أو تصرف تتصرفه وأنا أعتبرها دليل خوف من فقدان الذين نحبهم
    ودليل حب عظيم
    أن نلجأ للكلام الآمن
    مثل
    بحبك
    وحشتيني
    بتذاكري ولا لأ
    أما باقي الكلام فنقوله بيننا وبيننا
    عندما نجرد من نحبهم من إرادتهم

    شكرا
    لتعليقك الأجمل من البوست بتاعي

  3. كان لابد ان تعرف منها من نظرات عينيها قبل ان تترك المدينة وترحل انها تحبك يا فتى لكن عندما تحول الظروف بيننا وبين من نحب احيانا نكون اقوياء واخرى نكون الضعفاء ….لا ارغب يوما ان اكون ضعيفة واترك من احب … اعتقد ان ذلك يؤلم اكثر من اى شىء يصنع الايلام على وجه الارض …جراحا فى القلب لا تلتئم

  4. rana 3amra
    أولا شكرا لمرورك من هذا المكان المهجور
    ثانيا :ينبغي ألا نخلط بين الحب والعلاقة أيا كانت تلك العلاقة
    وخطئي كان يتمثل في محاولة هدم كيان قائم لبناء كيان آخر على انقاضة
    أو ما يسمونه بالدادية
    موضوع أنني أحب ، يعني أنني تأملت ورجحت وقبلت ورفضت أشياء في شخص وعدته من خلال الصداقه ألا أتفرس فيه
    لكي لا أري ما أحب وأيضا ما أكره فيه
    وهذا أعتبره مخجلا بين الأصدقاء
    وموضوع إن كانت تحبني أو تكرهني لا يؤرقني
    ما كان يؤرقني أن تبقى كل تلك المدة لا تستطيع الانتصار علي مع ادعائي أنني مقرب جدا منها
    الألم جزء من الحب
    كما فال أحد الكتاب ” من لم يعرف إلا الوفاء في الحب فلم يعرف إلا جانبه التافه ” تحياتي لك
    ولتشي جيفارا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s